محمد متولي الشعراوي

1473

تفسير الشعراوى

قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ( 21 ) ( سورة طه ) فلو كانت من جنس السحر لما أوجس في نفسه خيفة لأنه سوف يراها عصا وإن رآها غيره حية ، وهذا هو الفارق . وقوم عيسى أيضا كانوا مشهورين بالحكمة والطب ، إذن فستجىء الآيات من جنس الحكمة والطب ، ثم تتسامى المعجزة ، لأن الذي يطبب جسما ويداويه لا يستطيع أن يعيد الميت إلى الحياة ، لأن الإنسان إذا ما مات فقد خرج الميت عن دائرة علاج الطبيب . ولذلك رقّى اللّه آية عيسى ، إنه يشفى المرضى ، ويحيى الموتى أيضا ، وهذا ترقى في الإعجاز . قال عيسى : « أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ » . إن كلمة « أخلق » تحتاج إلى وقفة وكذلك « الطين » و « الهيئة » و « الطير » . « أخلق » مأخوذة من الخلق ، والخلق هو إيجاد شئ على تقدير ، فأنت تتخيله وتقدره في ذهنك أولا ثم تأتى به على هذه الحالة . فإن كان قد أتى على غير تقديرك فليس خلقا ، إنما هو شئ جزافى جاء على غير علم وتقدير ، وإنّ من يأخذ قطعة من الطين ويصنع منها أي شئ فهذا ليس خلقا . إن الخلق هو المطلوب على تقدير . مثال ذلك الكوب أو الكأس البلور الذي نشرب فيه حينما صنعه الصانع . هل كانت هناك شجرة تخرج أكوابا ، أم أن الصانع أخذ الرمال وصهرها ووضع عليها مواد كيماوية تخليها من الشوائب ، ثم قام بتشكيلها على هيئة الكوب ؟ إذن فالكوب لم تكن موجودة ، ووجدت على تقدير أن تكون شكل الكوب ، فهي خلق أوجد على تقدير . فماذا عن خلق اللّه ؟ إنه يخلق على تقدير ، وفرق بين صنعة البشر حين يخلق ، وبين صنعة اللّه حين يخلق . إن صنعة البشر حين تخلق ، إنما تخلق من موجود ، وحين يخلق اللّه فهو يخلق من معدوم ، وهذا هو أول فرق ، إنه سبحانه يخلق من عدم ، أما الإنسان فيضع الأشياء بنظام يحدث فيها تفاعلات أرادها اللّه فتوجد ، فلا يوجد من يستطيع - على سبيل المثال - من يصنع كوبا من غير المادة التي خلقها اللّه . إن هذا أول فرق بين خلق اللّه ، وخلق الإنسان ، فخلق اللّه يكون من عدم ،